محمد بن محمد ابو شهبة

342

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا - واللّه - لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى . ولكن بلالا لا يعبأ بالآلام ولا بالبلاء ، ويأبى إلا أن يعلن عن صادق إيمانه ، فلا ينفك يردد ويقول : « أحد . أحد » فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان ! ! فإذا حلاوة الإيمان تطغى على مرارة العذاب ، وكان يقول : « لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها » وقد هانت نفس بلال عليه في اللّه ، فتحمل ما تحمل بقلب مؤمن ، ونفس راضية مطمئنة ، حتى صار مثلا يحتذى ، كلما ذكر المجاهدون والمعذبون . وهان هو على مواليه فكانوا يجعلون في عنقه حبلا ، ويدفعون به إلى الصبيان يلعبون به ، حتى أثر الحبل في عنقه ، فما صرفه ذلك عن دينه ، ويسرف أمية بن خلف الطاغية في التنكيل ببلال وسومه سوء العذاب ، ويزداد بلال إيمانا واستعذابا لألوان العذاب ، حتى مر به الصّديق أبو بكر - رضي اللّه عنه - فقال لأمية : ألا تتقي اللّه في هذا المسكين ؟ حتى متى ؟ ! « 1 » فقال له : أنت الذي أفسدته ، فأنقذه مما ترى ، فقال الصّديق : أفعل ، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، على دينك ، أعطيكه به ، قال : قد قبلت ، فقال : هو لك ، فأعطاه سيدنا أبو بكر - رضي اللّه عنه - غلامه ذلك ، وأخذ بلالا فأعتقه لوجه اللّه ! ! وهذه الأسرة الياسرية : عمار بن ياسر ، وأبوه ياسر ، وأمه سمية بنت خباط « 2 » مولاة أبي حذيفة بن المغيرة ، وكان ياسر حليفا له فزوّجه سمية ، فولدت له عمارا ، فأعتقه ، وكان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة ، ويلبسونهم دروع الحديد المحماة بالنار ، فما وهنوا ولا استكانوا ، وكان يمر بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يعذبون ، فما يملك لهم إلا أن يحثهم على الثبات والصبر ، فيقول : « صبرا ال ياسر فإن موعدكم الجنة » . ولما اشتكى له عمار قائلا : يا رسول اللّه بلغ منا العذاب كل مبلغ ، فقال له :

--> ( 1 ) يعني إلى أي وقت يدوم هذا العذاب ؟ ! ( 2 ) بضم الخاء ، وباء مواحدة مشددة ، ويقال بمثناة تحتية ، وهي غير سميّة أم زياد .